عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

456

اللباب في علوم الكتاب

إذا عرف ذلك نقول كانت كراهية القتال حاصلة لبعضهم لقوله تعال : وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [ الأنفال : 5 ] والحق الذي جادلوا فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تلقي النفير لايثارهم العير . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 6 ] يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 ) قوله : « بعد ما تبيّن » المراد منه : إعلام رسول اللّه بأنّهم ينصرون ، وجدالهم قولهم : ما كان خروجنا إلّا للعير ، وهلّا قلت لنا لنستعدّ ونتأهّب للقتال ؛ لأنّهم كانوا يكرهون القتال ثمّ إنّه تعالى شبّه حالهم في فرط فزعهم بحال من يجرّ إلى القتل ، ويساق إلى الموت وهو شاهد لأسبابه ناظر إلى موجباته ، ومنه قوله عليه السّلام : « من نفى ابنه وهو ينظر إليه » أي يعلم أنّه ابنه ، كقوله تعالى : يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ [ النبأ : 40 ] أي يعلم وكان خوفهم لأمور : أحدها : قلّة العدد . وثانيها : كانوا رجّالة ، روي أنه ما كان فيهم إلا فارسان . وثالثها : قلة السلاح . قوله : يجادلونك يحتمل أن يكون مستأنفا إخبارا عن حالهم بالمجادلة ، ويحتمل أن يكون حالا ثانية أي : أخرجك في حال مجادلتهم إيّاك ، ويحتمل أن يكون حالا من الضّمير في لكارهون ، أي : لكارهون في حال جدال . والظاهر أنّ الضمير المرفوع يعود على الفريق المتقدّم . ومعنى المجادلة قولهم : كيف تقاتل ولم نستعد للقتال ؟ ويجوز أن يعود على الكفّار ، وجدالهم ظاهر . قوله : بعد ما تبيّن منصوب بالجدال ، و « ما » مصدرية ، أي : بعد تبينه ووضوحه ، وهو أقبح من الجدال في الشّيء قبل إيضاحه . وقرأ عبد « 1 » اللّه « بيّن » مبنيا للمفعول من : بيّنته أي : أظهرته ، وقوله : « وهم ينظرون » حال من مفعول يساقون . قوله تعالى : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 7 ] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) قوله « وإذ يعدكم » « إذ » منصوب بفعل مقدر ، أي : اذكر إذ ، والجمهور على رفع الدال ؛ لأنّه مضارع مرفوع . وقرأ مسلمة بن « 2 » محارب : بسكونها على التّخفيف لتوالي الحركات .

--> ( 1 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 50 ، والبحر المحيط 4 / 458 ، والدر المصون 3 / 397 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 503 ، والدر المصون 3 / 397 .